توفي اليوم الأربعاء الموافق 13 أغسطس 2025، الأديب والروائي المصري الكبير صنع الله إبراهيم، عن عمر ناهز 88 عاماً، وذلك إثر إصابته بالتهاب رئوي حاد أدى إلى وفاته في أحد مستشفيات القاهرة.
نعى الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة المصري، الأديب الراحل ببالغ الحزن والأسى، مؤكداً في بيان رسمي أن الساحة الثقافية المصرية والعربية فقدت قامة أدبية استثنائية. وأضاف الوزير أن الراحل مثّل أحد أعمدة السرد العربي المعاصر، وامتازت أعماله بالعمق في الرؤية مع التزامه الدائم بقضايا الوطن والإنسان.
محطات صحية حرجة قبل الرحيل
شهدت الأشهر الأخيرة من حياة صنع الله إبراهيم سلسلة من الأزمات الصحية المتتالية. ففي مارس 2025، تعرض الكاتب الكبير لنزيف حاد في المعدة، ما استدعى نقله إلى مستشفى المقاولون العرب ووضعه في وحدة العناية المركزة. وأفادت مصادر طبية آنذاك أن الأديب احتاج إلى نقل دم من فصيلة نادرة (A سالب)، ما أثار تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي حيث توافد العشرات من المتبرعين.
في مايو 2025، تعرض إبراهيم لكسر خطير في عنق عظمة الفخذ الأيمن إثر سقوط مفاجئ بمنزله. خضع على الفور لعملية جراحية دقيقة في معهد ناصر الطبي تكللت بالنجاح، إلا أنه دخل بعدها في مرحلة نقاهة طويلة امتدت لأسابيع. وفي يوليو الماضي، أُصيب مجدداً بالتهاب رئوي حاد استوجب نقله إلى المستشفى ووضعه على أجهزة التنفس الصناعي.
اهتمام رسمي بالحالة الصحية
أولت الدولة المصرية اهتماماً خاصاً بالحالة الصحية للأديب الكبير خلال مرضه الأخير. فقد أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهات بتوفير الرعاية الصحية الكاملة للروائي ومتابعة حالته شخصياً. كما قام وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو بزيارات شخصية للاطمئنان عليه، مؤكداً أن صنع الله إبراهيم ليس مجرد كاتب، بل رمز وطني وثقافي أثّر في وجدان أجيال.
وتواصل وزير الثقافة مع نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان خالد عبد الغفار، الذي وجّه بتوفير الرعاية الصحية اللازمة للروائي، بما في ذلك تأمين فصيلة الدم النادرة المطلوبة. وأكدت وزارة الصحة في بيان رسمي أنها “وفرت فصيلة الدم النادرة بعد تواصل مباشر من وزير الثقافة مع الجهات المعنية لضمان تقديم الرعاية الطبية الكاملة”.
مسيرة حياة حافلة بالنضال والإبداع
وُلد صنع الله إبراهيم في القاهرة يوم 24 فبراير 1937. وقد روى في إحدى المقابلات الصحفية قصة اسمه الغريب، مشيراً إلى أن والده قام بصلاة استخارة عند ولادته، ثم فتح القرآن ووضع أصابعه على آية “صُنع الله الذي أتقن كل شيء” فسماه بهذا الاسم الذي سبب له مشكلات كثيرة في طفولته.
كان لوالده أثر كبير على شخصيته الأدبية، إذ زوّده بالكتب والقصص وحثّه على الاطلاع منذ الصغر. درس الحقوق في جامعة القاهرة، لكنه سرعان ما انصرف عنها إلى الصحافة والسياسة. انتمى للمنظمة الشيوعية المصرية “حدتو”، فاعتُقل عام 1959 وظل في السجن خمس سنوات حتى عام 1964 ضمن حملة شنّها الرئيس جمال عبد الناصر ضد اليساريين.
الانطلاقة الأدبية والمحطات المهنية
بعد خروجه من السجن، عمل إبراهيم في الصحافة لدى وكالة الأنباء المصرية عام 1967، ثم انتقل للعمل لدى وكالة الأنباء الألمانية في برلين الشرقية من 1968 حتى 1971. وبعدها اتجه إلى موسكو لدراسة التصوير السينمائي وصناعة الأفلام، قبل أن يعود إلى القاهرة عام 1974 في عهد الرئيس السادات ويتفرغ للكتابة الحرة كلياً عام 1975.
أصدر أول أعماله الأدبية بعنوان “تلك الرائحة” كمجموعة قصصية عام 1966، والتي يروي فيها فترة اعتقاله السياسي. تميز إنتاجه الأدبي بالتوثيق التاريخي والتركيز على الأوضاع السياسية في مصر والعالم العربي، فضلاً عن سرده الكثير من تفاصيل حياته الشخصية.
أعمال أدبية خالدة ومكانة رفيعة
قدّم صنع الله إبراهيم عبر مسيرته الطويلة أعمالاً روائية وقصصية أصبحت علامات مضيئة في المكتبة العربية. من أشهر رواياته “شرف” التي تحتل المرتبة الثالثة ضمن أفضل مائة رواية عربية حسب تصنيف اتحاد الكتاب العرب. كما اشتهر برواية “اللجنة” التي نشرت عام 1981 وهي هجاء ساخر لسياسة الانفتاح في عهد السادات.
صوّر إبراهيم الحرب الأهلية اللبنانية في روايته “بيروت بيروت” الصادرة عام 1984. ومن أعماله المهمة أيضاً روايات “ذات” التي حُولت إلى مسلسل تلفزيوني عام 2013، و”نجمة أغسطس”، و”الجليد”، و”وردة”، و”العمامة والقبعة”، و”أمريكانلي”، وسيرته الذاتية “مذكرات سجن الواحات”.
مواقف سياسية جريئة ومعارضة للسلطة
اشتهر صنع الله إبراهيم بمواقفه السياسية المعارضة والجريئة. ففي عام 2003، رفض تسلم “جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي” التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة، معلناً اعتذاره من على خشبة مسرح دار الأوبرا في حضور عشرات المثقفين المصريين والعرب. وبرر رفضه بقوله: “أعلن اعتذاري عن عدم قبول الجائزة لأنها صادرة عن حكومة تقمع شعبنا وتحمي الفساد وتسمح للسفير الإسرائيلي بالبقاء في مصر، في حين أن إسرائيل تقتل وتغتصب”.
واستطرد في كلمته قائلاً: “هذه اللحظة التي نجتمع فيها هنا تجتاح القوات الإسرائيلية ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وتقتل النساء الحوامل والأطفال وتشرد الآلاف وتنفذ بدقة منهجية واضحة إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره من أرضه”. وأضاف: “لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب”.
جوائز وتكريمات أدبية
رغم رفضه لبعض الجوائز الرسمية، نال صنع الله إبراهيم العديد من الجوائز العربية والدولية المهمة. حصل على “جائزة ابن رشد للفكر الحر” عام 2004، و”جائزة كفافيس للأدب” عام 2017. كما نال جائزة “غالب هلسا” من اتحاد الكتاب الأردنيين عام 1992، وجائزة أفضل رواية مصرية عام 1998 عن روايته “شرف”.
حصل أيضاً على جائزة تكريمية عند بلوغه عامه الثمانين قُدمت له باسم المثقفين المصريين، تقديراً لمسيرته الأدبية الحافلة وإسهاماته في إثراء الحياة الثقافية بمصر والعالم العربي.
تعازٍ من الأوساط الثقافية والأدبية
تقدّم وزير الثقافة بخالص العزاء إلى الأدباء والمثقفين ولأسرة الفقيد وأصدقائه ومحبيه، داعياً الله أن يتغمده بواسع رحمته وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان. ونعى الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد صديقه الراحل بكلمات مؤثرة، قائلاً عبر صفحته على فيسبوك: “يا إلهي.. رحل صنع الله إبراهيم.. كل كلام الدنيا لا يكفي تعبيراً عن حزني يا معلمنا وصديق العمر الجميل.. إلى جنة الخلد يا صنع الله يا حبيبي.. الدموع تجعلني لا أرى يا حبيبي”.
يُذكر أن صنع الله إبراهيم يعتبر أحد أهم رموز جيل الستينيات الأدبي، وواحداً من أبرز الروائيين الذين كسروا القالب الواقعي التقليدي وخلصوا لغة الرواية من الترهل واللفظية الفضفاضة. وقد امتازت أعماله بالحرص على تجديد الشكل والتعبير عن المتغيرات المجتمعية من خلال ملاحقة التغيرات المادية والثقافية وجعلها عنصراً في التشخيص الروائي.
برحيل صنع الله إبراهيم، تفقد الساحة الثقافية العربية واحداً من أبرز أصواتها النقدية والإبداعية، تاركاً وراءه إرثاً أدبياً وإنسانياً خالداً سيظل حاضراً في وجدان الثقافة المصرية والعربية لأجيال قادمة.



