في ذلك الصباح البارد من شهر يناير الماضي، حين تردد صدى كلمات القسم الدستوري عبر قبة الكابيتول المغلقة بسبب البرد القارس، لم يدرك كثيرون أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف على عتبة تحول جذري في تاريخها السياسي المعاصر. فعندما رفع دونالد ترامب يده اليمنى يوم العشرين من يناير 2025، لم يكن يؤدي مجرد قسم رئاسي، بل كان يعلن عن بداية عهد جديد من السياسات الأمريكية التي ستهز أسس النظام الدولي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
خلال المئتي يوم الأولى من رئاسته الثانية، نفذ ترامب أجندة سياسية واقتصادية واجتماعية لم تشهد الولايات المتحدة مثيلاً لها في جرأتها وشموليتها منذ عقود. فمن توقيع أكثر من خمسين أمراً تنفيذياً في يومه الأول، إلى إطلاق حملة ترحيل جماعي للمهاجرين غير الشرعيين، ومن إعادة هيكلة الحكومة الفيدرالية بالكامل إلى شن حرب تجارية مع أغلب دول العالم، بدا ترامب وكأنه يسعى لإعادة تعريف مفهوم القوة الأمريكية وعلاقة أمريكا بالعالم.
الانقلاب الصامت
لعل أكثر ما يميز الأشهر الستة الأولى من الرئاسة الثانية لترامب هو حجم التغيير الذي أحدثه في بنية الحكومة الفيدرالية ذاتها. ففي خطوة لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأمريكي المعاصر، أعلنت إدارة ترامب عن تسريح أكثر من 275 ألف موظف حكومي اتحادي، وهو رقم يمثل نحو 12% من إجمالي القوة العاملة المدنية في الحكومة الفيدرالية.
هذه السياسة، التي تم تنفيذها تحت مسمى “الجدول F” (Schedule F)، سمحت للرئيس بإقالة عشرات الآلاف من الموظفين المدنيين الذين كانوا يتمتعون بحماية قانونية من الفصل التعسفي. وقد أثارت هذه الخطوة انتقادات حادة من النقابات العمالية والمنظمات المدنية، التي اعتبرتها محاولة لـ”تسييس” الخدمة المدنية الأمريكية.
بالتوازي مع عمليات الفصل الجماعي، أطلق ترامب “إدارة الكفاءة الحكومية” (DOGE) تحت قيادة إيلون ماسك، والتي ادعت توفير 160 مليار دولار من الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الأولى. غير أن تحقيقات صحفية مستقلة كشفت عن مبالغة كبيرة في هذه الأرقام، وأن كثيراً من “التوفيرات” المزعومة لم تكن أكثر من إلغاء لعقود وبرامج ضرورية دون توفير حقيقي للأموال.
عندما تصبح التعريفة سلاحاً
على الصعيد الاقتصادي، شهدت الأشهر الستة الأولى من رئاسة ترامب الثانية إطلاق أوسع حرب تجارية في التاريخ الأمريكي الحديث. ففي الرابع من فبراير، والذي أطلق عليه ترامب اسم “يوم التحرير”، فرضت الإدارة الأمريكية تعريفات جمركية بنسبة 25% على السلع المكسيكية والكندية، و10% على السلع الصينية.
لكن هذا لم يكن سوى البداية. ففي الثاني من أبريل، أعلن ترامب عن فرض تعريفة جمركية أساسية بنسبة 10% على جميع السلع المستوردة تقريباً من كافة دول العالم. وارتفع متوسط التعريفة الجمركية الأمريكية من 2.5% في يناير إلى 27% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من قرن.
هذه السياسات التجارية المتشددة أدت إلى انهيار في أسواق الأسهم الأمريكية في أبريل، وارتفاع في معدلات التضخم، وتراجع في النمو الاقتصادي. فقد تراجعت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي من 2.8% في 2024 إلى 1.2% في النصف الأول من 2025. كما شهدت البلاد فقدان أكثر من 62 ألف وظيفة في يوليو وحده، مع زيادة في معدل البطالة إلى 4.2.
قانون “الفاتورة الجميلة الكبيرة”
في الرابع من يوليو، وبمناسبة عيد الاستقلال الأمريكي، وقع ترامب على ما أسماه “قانون الفاتورة الجميلة الكبيرة الواحدة” (One Big Beautiful Bill Act). هذا التشريع الضخم، الذي يمتد لأكثر من 869 صفحة، يمثل أحد أكثر القوانين إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي المعاصر.
القانون، الذي تم تمريره بأغلبية حزبية ضيقة، يتضمن تمديد التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب في ولايته الأولى، مع إضافة تخفيضات جديدة تشمل إلغاء الضرائب على الإكراميات والعمل الإضافي. لكن لتمويل هذه التخفيضات، فرض القانون تقليصات جذرية في برامج الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك تقليص ميزانية برنامج الرعاية الطبية “ميديكايد” بنحو تريليون دولار على مدى عشر سنوات.
وبحسب تقديرات مكتب الميزانية بالكونغرس، فإن هذا القانون سيؤدي إلى فقدان نحو 12 مليون أمريكي لتأمينهم الصحي بحلول عام 2034. كما سيضيف 3.4 تريليون دولار إلى الدين الوطني الأمريكي، مما يثير تساؤلات جدية حول الاستدامة المالية لهذه السياسات.
بين الترحيل الجماعي والجدال الدستوري
لم تكن هناك قضية أكثر إثارة للجدل في الأشهر الستة الأولى من الرئاسة الثانية لترامب من سياسة الهجرة. ففي يومه الأول في المنصب، أصدر ترامب سلسلة من الأوامر التنفيذية التي قلبت سياسة الهجرة الأمريكية رأساً على عقب.
أبرز هذه الأوامر كان الأمر المثير للجدل المتعلق بـ”حق المواطنة بالولادة”، والذي حاول ترامب من خلاله إنهاء الحق الدستوري الذي يمنح الجنسية الأمريكية لأي شخص يولد على الأراضي الأمريكية. هذا الأمر، الذي يتعارض مع التعديل الرابع عشر للدستور، واجه تحديات قانونية فورية في المحاكم الفيدرالية.
على الصعيد التنفيذي، شهدت الأشهر الستة الأولى حملة ترحيل واسعة النطاق، حيث تم ترحيل 37,660 شخص في الشهر الأول وحده. وقد وسعت الإدارة نطاق العمليات الأمنية لتشمل المستشفيات والمدارس والكنائس، الأماكن التي كانت محظورة سابقاً.
أثار استخدام “قانون الأعداء الأجانب” لعام 1798 جدلاً واسعاً، خاصة وأن هذا القانون لم يستخدم منذ الحرب العالمية الثانية. وقد واجهت هذه السياسات معارضة قوية من الولايات الديمقراطية والمنظمات المدنية، التي رفعت عشرات القضايا القانونية ضدها.
الانعزالية والتدخل المباشر
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية خلال الأشهر الستة الأولى من الرئاسة الثانية لترامب تحولاً جذرياً نحو ما يمكن وصفه بـ”الانعزالية الانتقائية”. فمن جهة، انسحبت الولايات المتحدة من عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية، ومن جهة أخرى تدخلت عسكرياً بشكل مباشر في الصراعات الإقليمية.
في يومه الأول، أعلن ترامب الانسحاب الأمريكي من اتفاق باريس للمناخ للمرة الثانية، وكذلك من منظمة الصحة العالمية. وفي يوليو، أعلنت الإدارة عن انسحاب الولايات المتحدة من منظمة اليونسكو، بدعوى أنها تتبنى “أجندة عولمية مؤدلجة”.
لكن الخطوة الأكثر إثارة للجدل كانت التدخل العسكري المباشر في الصراع الإيراني-الإسرائيلي. ففي الثاني والعشرين من يونيو، نفذت القوات الأمريكية ضربات جوية مباشرة ضد ثلاثة مواقع نووية إيرانية، في خطوة وصفها ترامب بأنها “دمرت بالكامل” البرنامج النووي الإيراني.
هذه الضربات، التي تمت بالتنسيق مع إسرائيل، أثارت قلقاً دولياً واسعاً حول احتمالية اندلاع حرب إقليمية أوسع. وقد انتقد العديد من أعضاء الكونغرس، بما في ذلك جمهوريون، الرئيس لعدم استشارة الكونغرس قبل شن هذه الضربات.
في خطوة لم تكن متوقعة حتى من أشد منتقدي ترامب، أعلن الرئيس الأمريكي في فبراير عن اقتراح مثير للجدل بشأن قطاع غزة. فخلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستتولى “السيطرة على قطاع غزة” وتعيد تطويره ليصبح “ريفييرا الشرق الأوسط”.
هذا الاقتراح، الذي يتضمن إعادة توطين نحو مليوني فلسطيني في دول عربية أخرى، أثار موجة من الغضب الدولي. فقد وصفته النائبة الأمريكية رشيدة طليب بأنه “دعوة علنية للتطهير العرقي”، بينما أدانته معظم الدول العربية والإسلامية.
وقد أصبحت هذه السياسة أكثر إثارة للجدل عندما استؤنف القتال في غزة في أبريل، حيث قتل أكثر من 700 فلسطيني في ثلاثة أيام، فيما أعلن البيت الأبيض دعمه الكامل “للإجراءات” الإسرائيلية.
عودة الوقود الأحفوري
على الصعيد البيئي، مثلت الأشهر الستة الأولى من الرئاسة الثانية لترامب انتكاسة كبيرة لجهود مكافحة التغير المناخي. فبالإضافة إلى الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، أصدرت الإدارة سلسلة من القرارات لتسريع استخراج الوقود الأحفوري.
في أبريل، وقع ترامب أوامر تنفيذية لإنقاذ صناعة الفحم المتراجعة، بما في ذلك منع إغلاق محطات الطاقة التي تعمل بالفحم والمقرر إيقافها. كما ألغت الإدارة الموراتوريوم على تأجير أراضي فيدرالية جديدة لاستخراج الفحم.
في أبريل أيضاً، أعلن وزير الداخلية دوغ بيرغام عن خطط لفتح 13 مليون فدان في ألاسكا أمام التنقيب عن النفط والغاز، بما في ذلك مناطق محمية بيئياً. وقد واجهت هذه القرارات معارضة شديدة من المنظمات البيئية والقبائل الأصلية.
الأكثر إثارة للجدل كان قرار الإدارة بإلغاء جميع القيود على انبعاثات غازات الدفيئة من محطات الطاقة العاملة بالوقود الأحفوري. هذا القرار، الذي يتعارض مع جهود مكافحة التغير المناخي العالمية، أثار انتقادات حادة من العلماء والمنظمات البيئية.
التوسع في عقوبة الإعدام
على صعيد النظام القضائي، شهدت الأشهر الستة الأولى توسعاً ملحوظاً في استخدام عقوبة الإعدام. ففي يومه الأول، وقع ترامب أمراً تنفيذياً يوجه وزارة العدل إلى السعي لتطبيق عقوبة الإعدام في كل قضية تنطوي على قتل ضابط شرطة أو جريمة يرتكبها مهاجر غير شرعي.
وقد شهد النصف الأول من عام 2025 تنفيذ 25 حكم إعدام، وهو رقم يساوي إجمالي ما تم تنفيذه في عام 2024 بأكمله. هذا الارتفاع، الذي جاء بعد سنوات من التراجع في أحكام الإعدام، أثار قلق منظمات حقوق الإنسان.
ردود الفعل الدولية
لم تمر السياسات الأمريكية الجديدة دون رد فعل دولي قوي. فقد أعربت معظم الحلفاء التقليديين لأمريكا عن قلقهم العميق من التحول في السياسة الأمريكية. ففي استطلاع دولي شمل 29 دولة، تراجعت سمعة أمريكا بشكل كبير، خاصة في الدول الديمقراطية.
الاتحاد الأوروبي، الذي كان الشريك الأقرب للولايات المتحدة، أصدر بياناً مشتركاً مع الصين في يوليو يؤكد التزامهما بالعمل المناخي. هذا التطور، الذي كان لا يمكن تصوره قبل سنوات قليلة، يشير إلى تراجع النفوذ الأمريكي في القضايا العالمية.
كما فرضت كندا والمكسيك تعريفات انتقامية على السلع الأمريكية، بينما أعلنت الصين عن قيود على تصدير المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة. حتى الحلفاء التقليديون مثل كوريا الجنوبية وبولندا بدأوا في دراسة خيارات تطوير أسلحة نووية خاصة بهم، خوفاً من عدم إمكانية الاعتماد على المظلة النووية الأمريكية.
الرأي العام الأمريكي… تأييد متراجع
رغم النشاط المكثف والوعود الانتخابية الطموحة، فشل ترامب في كسب تأييد الأغلبية الأمريكية لسياساته. فبحسب استطلاعات الرأي الموثوقة، انخفض تأييد ترامب من 45% في بداية رئاسته إلى 39% بعد مرور 100 يوم، وهو أدنى معدل تأييد لأي رئيس أمريكي في هذه المرحلة منذ 80 عاماً.
الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لترامب هو الرأي العام حول السياسات الاقتصادية. فقد أعرب 72% من الأمريكيين عن اعتقادهم أن السياسات الاقتصادية لترامب ستؤدي إلى ركود اقتصادي. كما عارض 70% من الأمريكيين تقليصات الميديكايد المقترحة، بينما أعرب 71% عن اعتقادهم أن التعريفات الجمركية ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
حتى في القضايا التي حظيت بتأييد نسبي، مثل سياسات الهجرة، فإن التأييد تراجع مع مرور الوقت. فبحسب استطلاعات أبريل، تراجع تأييد سياسات الهجرة من 52% في يناير إلى 47%.
الاقتصاد بين الوعود والواقع
على الرغم من الوعود الانتخابية بتحقيق نمو اقتصادي “كما لم تشهده أمريكا من قبل”، فشلت السياسات الاقتصادية لترامب في تحقيق النتائج المرجوة. فبحسب بيانات وزارة الخزانة، تراجع النمو الاقتصادي من 2.8% في 2024 إلى 1.2% في النصف الأول من 2025.
كما ارتفعت معدلات التضخم إلى 2.8% في يونيو، مقارنة بـ 2.6% في مايو. هذا الارتفاع، الذي ترافق مع تراجع في معدلات التوظيف، أثار مخاوف من دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة “الركود التضخمي”.
الأكثر إثارة للقلق هو تأثير الحروب التجارية على الصناعة الأمريكية. فقد فقد القطاع الصناعي عشرات الآلاف من الوظائف، بينما اضطرت شركات كبرى مثل فورد وجنرال موتورز إلى إغلاق مصانع في كندا والمكسيك بسبب التعريفات الجمركية.
أسئلة بلا أجوبة
مع نهاية الأشهر الستة الأولى من الرئاسة الثانية لترامب، تبرز تساؤلات جدية حول استدامة هذه السياسات وتداعياتها طويلة المدى. فعلى الصعيد الداخلي، تواجه الإدارة تحديات قانونية هائلة، حيث رفعت المحاكم الفيدرالية المئات من القضايا ضد السياسات الجديدة.
على الصعيد الاقتصادي، تشير المؤشرات إلى احتمالية دخول البلاد في ركود اقتصادي بحلول نهاية العام، خاصة مع تصاعد الحروب التجارية وارتفاع معدلات التضخم. وعلى الصعيد الدولي، تتزايد عزلة أمريكا عن حلفائها التقليديين، مما قد يضعف نفوذها العالمي لعقود قادمة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن السياسات الحادة في مجال الهجرة والرعاية الصحية قد تؤدي إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية في البلاد. الملايين من الأمريكيين الذين سيفقدون تأمينهم الصحي، والمهاجرين الذين سيواجهون الترحيل، يمثلون قنابل اجتماعية موقوتة قد تنفجر في وجه الإدارة.
تبدو الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب الثاني وكأنها تخوض تجربة لم يسبق لها مثيل في تاريخها، تجربة قد تعيد تشكيل ليس فقط مستقبل أمريكا، بل مستقبل النظام الدولي برمته. والسؤال المطروح الآن ليس ما إذا كانت هذه التجربة ستنجح أم تفشل، بل ما إذا كانت أمريكا – والعالم – ستتمكن من تحمل تداعياتها.



